ابن تيمية

43

مجموعة الفتاوى

يَرِيبُنِي أَيْ حَرَّكَ قَلْبِي وَمِنْهُ الْحَدِيثُ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ بِظَبْيٍ حَاقِفٍ فَقَالَ : لَا يَرِيبُهُ أَحَدٌ } أَيْ : لَا يُحَرِّكُهُ أَحَدٌ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " { دَعْ مَا يَرِيبُك إلَى مَا لَا يَرِيبُك } فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ وَالْكَذِبَ رِيبَةٌ ؛ فَإِنَّ الصَّادِقَ مَنْ لَا يَقْلَقُ قَلْبُهُ وَالْكَاذِبَ يَقْلَقُ قَلْبُهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ شَكٌّ بَلْ يَعْلَمُ أَنَّ الرَّيْبَ أَعَمُّ مِن الشَّكِّ . وَلِهَذَا فِي الدُّعَاءِ الْمَأْثُورِ : " { اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِك مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِك } الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ . وَفِي الْمُسْنَدِ وَالتِّرْمِذِي عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : " { سَلُوا اللَّهَ الْيَقِينَ وَالْعَافِيَةَ ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُعْطَ خَيْرٌ مِن اليَقِينِ وَالْعَافِيَةِ فَاسْأَلُوهَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى } وَالْعَرَبُ تَقُولُ : مَاءٌ يَقِنٌ إذَا كَانَ سَاكِناً لَا يَتَحَرَّكُ . فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ مُطَمْئِنٌ لَا يَكُونُ فِيهِ رَيْبٌ . هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : " { أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَهْطاً وَلَمْ يُعْطِ رَجُلاً وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُمْ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَك عَنْ فُلَانٍ ؟ فَوَاَللَّهِ إنِّي أَرَاهُ مُؤْمِناً قَالَ : أَوْ مُسْلِماً مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً ثُمَّ قَالَ : إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ } . وَلِهَذَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ وَغَيْرُهُ مِن السَّلَفِ : الْإِسْلَامُ دَائِرَةٌ